الطبراني

12

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

وقيل : سمّاه روحا ؛ لأنه كان يحيي الموتى ، كما سمّى القرآن روحا من حيث إن فيه حياة الناس في أمر دينهم ، قال اللّه تعالى وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا « 1 » فصرف أهل الزيغ قوله تعالى وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ إلى مذاهبهم الفاسدة طلب الكفر والضّلال ، ولم يردّوا هذا اللفظ الذي اشتبه عليهم وشبّهوه على أنفسهم إلى الآية المحكمة ؛ وهو قوله عزّ وجلّ : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ « 2 » فعلى هذا يكون : ( وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ) أي ما يعلم تأويل جميع المتشابه حتى يستوعب علم المتشابهات إلّا اللّه . واختلف أهل العلم في معنى هذه الآية ، فقال قوم ( الواو ) في قوله تعالى : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ، واو العطف ، يعني أن تأويل المتشابه يعلمه اللّه ويعلمه الراسخون في العلم ، وهم مع علمهم : يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ ( 7 ) ؛ والمعنى والثابتون في العلم يعلمون تأويل ما نصب اللّه لهم الدلالة عليه إلى المتشابه وبعلمهم يقولون : ربّنا آمنّا به ( 3 ) ، فروي عن أبن عبّاس : ( وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) يعلمونه قائلين : آمنّا به ) . ومنهم من جعل تمام الكلام عند قوله ( إِلَّا اللَّهُ ) . وفي قراءة ابن مسعود آمنّا ( يقول الرّاسخون في العلم آمنّا به ) وهو مرويّ أيضا عن ابن عبّاس . ولا يبعد أن يكون للقرآن تأويل ليستأثر اللّه بعلمه دون خلقه ؛ لأنّا لا نعلم مراد اللّه وحكمته في جميع أوامره ونواهيه ؛ غير أنه ألزمنا العمل بما أنزله ولم يطالبنا بما لا سبيل لنا إلى معرفته ، ولم يخف عنّا علم ما غاب عنّا ، مثل قيام الساعة وغير ذلك إلّا لما فيه من المصلحة لنا وما هو خير لنا في ديننا ودنيانا ، وما علّمناه فلم يعلّمناه إلّا لمصلحتنا ونفعنا فنعرف بصحّة جميع ما أنزل اللّه ؛ والتصديق بذلك كله ما علمنا منه وما لم نعلم .

--> ( 1 ) آل عمران / 59 . ( 2 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : النص ( 5203 و 5209 ) عن مجاهد .